اول يوم جواز نرمين عادل همام ج2

في ليلة من أصعب الليالي، دخل عليا أخويا طارق الأوضة، وجهه كان شاحب والتوتر باين في عينيه. قعد قدامي وقال بصوت مبحوح: ـ “أماني.. لحد كدا وكفاية. الموضوع كبر وبقى خطر على حياتك وحياتنا كلنا. لازم ننهي الموال ده ونمشي من المنطقة، أو نسلمهم الورق اللي معاكي ونخلص من شرهم قبل ما يقع الفأس في الرأس.”
بصيت له بثبات، وقفت وحطيت إيدي في وسطي وقلت له بنبرة مفيهاش ذرة تردد: ـ “لأ يا طارق.. أنا مش ههرب المرة دي. أنا اللي بدأت الحكاية دي بصمت، وأنا اللي هخلص اللعبة دي بيدي! الهروب مش خيار، ولو خفنا دلوقتي هنفضل طول عمرنا نلتفت ورا ضهرنا.”
وبدل ما ندخل معاهم في خناق وشوارع ومواجهة مباشرة مالهاش لازمة، بدأنا نلعبها بأعلى درجات الذكاء.. كل مكالمة غريبة بتيجي كانت بتتطبع وتتسجل صوت وصورة، كل تهديد بيوصل كان بيتصور وبيتوثق، كل محاولة لتتبع خطوتي كان طارق بيجيب قرارها وبيعرف مين اللي وراها. وفي ظرف أسبوعين بس، بقينا إحنا اللي ماسكين الملف كامل بيدينا.. ملف يودي عيلة المنشاوي كلها في سكة السجن من غير ما نرفع صباع واحد!
وفجأة.. جت اللحظة الفاصلة! التليفون رن، وعلى غير العادة كان إبراهيم بنفسه هو اللي بتتصل. صوته كان متلخبط وناشف بس وراه رعب مكتوم، طلب إنه يقابلني فوراً عشان “نتفاهم ونصلح اللي انكسر”، وأنا طبعاً كنت عارفة ومتقاطعة إن مفيش حاجة اسمها تفاهم ولا إصلاح مع الأشكال دي.. بس وافقت! وافقت مش عشان أرجع خطوة لورا، لا.. عشان أحط النقط على الحروف وأنهي الكابوس ده للابد.
قابلته في كافيه هادي وبعيد عن منطقتنا.. دخل إبراهيم وهو متوتر، عينيه بتلف في المكان زي اللي خايف من خياله، الثقة والغرور المزيف اللي كانوا في عينيه ليلة ما رمى الفوطة في وشي اختفوا تماماً وحل محلهم كسرة وارتجافة ملحوظة.
قعد قدامي على الترابيزة، فضل ساكت ثواني يمسح عرقه، وبعدين قال بنبرة محروقة: ـ “أنتي مش فاهمة أنتي دخلتي نفسك في إيه يا أماني! أنتي بتلعبي مع ناس ممكن يمسحوا اسمك من الوجود في ثانية!”
ابتسمت بهدوء شديد.. ابتسامة ثقة وباردة هزت كيانه، وقلت له بصوت واطي ومسموع: ـ “لا يا إبراهيم.. أنا فاهمة كويس قوي، ويمكن فاهمة أكتر منك ومن عيلتك كمان.”
ومددت إيدي في الشنطة، طلعت دوسيه أصفر صغير.. وحطيته قدامه على الترابيزة بالراحة. جواه نسخة طبق الأصل من وصلات الأمانة المشبوهة، ومعاها فلاشة مجمّعة عليها كل تسجيلات التهديد بصوته وبصوت رجالة عيلته، ورسائل الابتزاز اللي اتبعتتلي.
أول ما عينه وقعت على الورق وشاف التفاصيل، شفت في عينيه ولأول مرة في حياتي.. الخوف الحقيقي. الخوف اللي بيشل الحركة وبيسكت اللسان.
فضل يبص للورق وليا وهو مش قادر ينطق مش مصدق ازاي الورق دا معايا واخدته وانا ماشية ، وبعدين قال بصوت واطي يادوب مسموع: ـ “أنتي… أنتي عايزة إيه يا أماني؟ تأذينا؟ عايزة كام عشان تقفلي الملف ده؟”
ساعتها بس.. حسيت إن روحي ردت لي، وإن حقي رجع لي كامل مكمل. مش فلوس، ولا ورق، ولا انتصار في محكمة.. كرامتي اللي حاولو يدوسوا عليها ليلة الدخلة، رجعت مرفوعة فوق السحاب.
بصيت له بثبات وقلت له: ـ “ولا حاجة يا إبراهيم.. مش عايزة منكم ولا مليم. كل اللي أنا عايزاه إنك تختفي أنت وعيلتك من حياتي تماماً.. لا أشوف وشك، ولا أسمع اسمك، ولا رجالتك تقرب من سكتي. وأي محاولة طيش أو تفكير في الأذية من ناحيتكم بكرة أو بعده.. الدوسيه الأصلي بالاعترافات دي هيترجم في النيابة العامة بنفس الدقيقة، وهتكون دي آخر غلطة في عمرك.”
سبته مذهول ومش قادر ينطق كلمة واحدة، وقمت وقفت، أخدت شنطتي وخرجت من الكافيه.. أول ما مشيت في الشارع، حسيت بنسيم الهواء بيخبط في وشي كأني بتنفس لأول مرة من شهور. حسيت إني خفيفة زي الريشة، كأن جبل تقيل من الهم والظلم اتزاح من فوق صدري للأبد.
ومن اليوم ده.. الدنيا هديت تماماً. لا مكالمات، لا تهديدات، ولا حتى أثر أو خبر ليهم في المنطقة.. كأن الأرض انشقت وبلعتهم، وكأن الكابوس اتمسح من الوجود.
بس الأهم من كل ده.. إني أنا نفسي اتغيرت. “أماني” الضعيفة الطيبة اللي كانت بتسامح على حساب نفسها ماتت.. وجت مكانها أماني الجديدة؛ أقوى، أهدى، بعرف أقرأ الناس من أول نظرة، ما بدّيش ثقتي لأي حد بسهولة، بس في نفس الوقت.. بقيت ما بخافش من أي حاجة في الدنيا.
بدأت أبني حياتي من جديد وعلى مياه نضال؛ أخدت ترقية في شغلي، وسّعت دايرة معارفي وناس نظاف شبهي، وحتى نفسيتي وبسمتي رجعوا أحسن من الأول بمراحل.
وبعد شهور طويلة جداً.. في يوم عادي جداً، كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي الصبح في هدوء، التليفون رن.. رقم غريب مش مسجل عندي. رديت بهدوء: ـ “ألّو؟”
جاني صوت ست كبيرة، صوت مليان كسرة وتعب.. صوت الحاجة زينب، أم إبراهيم. قالت لي بنبرة متقطعة: ـ “أماني يا بنتي.. أنا الحاجة زينب. كنت.. كنت عايزة أقولك إنك طلعتي أقوى مننا كلنا، وإننا ظلمناكي وتكبرنا عليكي.. وأنا أسفة، أنا غلطت في حقك يا بنتي سامحيني.”
سكتت ثواني.. كنت قادرة أرد، وقادرة أقول كلام يوجعها أو أطلع اللي في قلبي، بس ما نطقتش ولا كلمة. قفلت المكالمة بهدوء شديد من غير ما أرد بحرف واحد.. مش ضعف مني، ولا تردد.. لكن لأن بعض النهايات، الأفضل والأشيك لها إنها تفضل ساكتة.
والحقيقة اللي محدش يعرفها.. إن الفوطة القديمة الزفرة اللي إبراهيم رماها في وشي في أول ليلة، كانت أكبر هدية وأعظم نعمة ربنا بعتهالي.. لأنها كانت القلم اللي فايقني بدري قوي، قبل ما أغرق في مستنقع وحياة مش شبهي ولا من ثوبي.
ومن اللحظة دي.. وأنا حاطة قاعدة واحدة بس قدام عيني في الحياة: “اللي ما يحترمنيش ويقدرني من أول لحظة.. ما يستاهلش مني لحظة واحدة بعد كدا.”
تمت.





