بعد وفاه جوزى 2

مرت الأشهر التالية كأنها مدرسة حقيقية كشفت لحازم عن أبعاد جديدة للحياة لم يكن يتخيل وجودها خلف جدران بيته المريح. لم تعد العلاقة بينه وبين أمه كما كانت في السابق؛ لم ترجع إلى دور “الخادمة المضحية” التي تلبي الطلبات دون مقابل، بل أصبحت العلاقة قائمة على المشاركة والشراكة الفعالة.
بدأ حازم يستيقظ مبكراً، ينظم فراشه بنفسه، ويقف إلى جوار أمه في المطبخ ليتعلم كيف يُعد طعامه، وكيف يُدير ميزانية البيت البسيطة. وفي إجازة نهاية الأسبوع، لم يعد يقضي وقته كاملاً في الشارع أو أمام شاشات الألعاب؛
بل اتفق مع صاحب مكتبة صغيرة في حيهم على العمل لديه لعدة ساعات مقابل أجر بسيط، يُسهم به في مصاريف دروسه وتدبير احتياجاته الشخصية.
كانت التغيرات النفسية والجسدية تظهر عليه يوماً بعد يوم. النبرة الحادة والعصبية التي كان يتحدث بها اختفت تماماً، وحلت محلها نبرة أكثر نضجاً وهدوءاً. كان يرى أمه وهي تعود من عملها مجهدة، فيسارع بإعداد كوب الشاي لها، ويجلس إلى جوارها ليحدثها عن يومه في المدرسة وفي العمل، مستمعاً إلى نصائحها باهتمام شديد لم يعهده منها من قبل.
في أحد أيام الجمعة، وبينما كان حازم ينظف الصالة بنفسه، لاحظ أن أمه تجلس على أريكتها وتنظر إلى صورة والده الراحل المعلّقة على الحائط. كانت عيناها تتأملان الصورة بحزن خفيف، لكنه حزن خالٍ من الانكسار. اقترب منها بهدوء وجلس على الأرض تحت قدميها، وضغط على يدها برفق.
* بتفكري في بابا؟
التفتت إليه وأبتسمت ابتسامة هادئة:
* بفتكر اليوم اللي سابنا فيه.. بفتكر أد إيه كنت خايفة، وأد إيه كنت حاسة إني ضعيفة ومش هقدر أشيل الحمل ده لوحدي. بس الحمد لله.. ربنا يقوّي ويبارك.
نظر حازم إلى الصورة ثم نظر إليها وقال بصوت محمل بالصدق:
* أنتِ شيلتي الحمل وزيادة يا أمي. وبابا أكيد فرحان بيكي دلوقتي. أنا بس عايز أقولك حاجة ومكسوف من نفسي.
* قول يا حازم، مفيش كسوف بيننا خلاص.
تنهد ببراعة وقال:
* أنا الفترة اللي فاتت دي لما جربت اشتغل وأشيل مسؤولية نفسي بس، حسيت إن التعب ده يهد جبال. ساعتها بس فهمت أنتِ استحملتِ إيه في السبع سنين اللي فاتوا. فهمت إنك تحرمي نفسك من كل حاجة عشان أنا أعيش مرتاح دي مش حاجة عادية، ولا واجبت عليكي بالبساطة اللي كنت شايفها.



