ابنى بهدلنى

من جيب الرجل وهو بيهرب.
قطعة معدنية صغيرة.
انحنيت وأخذتها.
كانت ميدالية مفاتيح قديمة.
وعليها حرف واحد
H
حرف H
نفس الحرف الموجود على سلسلة مفاتيح حسن القديمة.
وقتها بدأت أشك في شيء أخطر.
هل الرجل ده كان يعرف حسن فقط؟
ولا كان قريبًا منه لدرجة إنه كان يملك مفاتيحه؟
طلعت من القبو بسرعة.
ولما وصلت فوق، كان أحمد واقف قدامي وحده.
وشه كان أبيض.
بصيت له وقلت
مين الراجل ده يا أحمد؟
ما ردش.
قربت منه.
اسمه إيه؟
سكت.
ثم رفع عينه في عيني.
وقال بصوت مكسور
أمي
إيه؟
الراجل ده هو اللي كان مع أبويا في آخر يوم في حياته.
توقفت.
لكن أحمد أكمل الجملة التي قلبت كل شيء
وهو مش مجرد واحد كان يعرف أبويا
ده كان شريكه رجعت ناحية القاعة ببطء.
ما دخلتش.
وقفت ورا الباب، وفضلت أسمع.
أحمد قال بصوت مخنوق
سارة إنتي كنتي عارفة إن فيه حاجة في المخزن؟
ردت عليه بسرعة
أنا ماكنتش عارفة كل حاجة!
يعني كنتي عارفة جزء؟
سكتت.
وبعدين قالت
أحمد، إحنا لازم نمشي دلوقتي.
لكن أحمد ما تحركش.
قال
إنتي مخبية عني إيه؟
لأول مرة، سمعت الخوف الحقيقي في صوته.
دخلت القاعة.
الكل سكت.
قلت
ولا حد هيمشي.
سارة بصت لي.
جمالة
قاطعتها
من النهارده، مفيش حد هيتحرك في الموضوع ده من غير ما أعرف.
أحمد قال
ماما، أنا مش فاهم حاجة!
بصيت له طويلًا.
وأنا كمان كنت مش فاهمة.
ثم قربت منه.
لحد ما فتحت اللابتوب بتاعك.
وشه تغير.
إنتي دخلتي على اللابتوب؟
ما فتحتوش عمدًا. لقيته مفتوح.
وبعدين قلت
بس اللي شفته خلاني أدور وراكم.
أحمد نزل عينيه.
أما سارة، فبدأت تبكي.
قلت لها
البكاء مش هيغير اللي حصل.
ثم خرجت.
وصلت المزرعة قبل المغرب.
المكان كان هادي بشكل غريب.
الماشية كانت في الحظائر، والعمال خلصوا شغلهم، والهواء كان بارد.
مشيت ناحية المخزن القديم.
كان مبني من أيام حسن.
بابه الحديد كان عليه صدأ، لكن القفل كان جديدًا.
توقفت.
لمست القفل.
وقلت لنفسي
مين غيره؟
أدخلت المفتاح.
دار بسهولة.
فتحت الباب.
ريحة تراب وحديد قديم ضربت في وشي.
شغلت النور.
في البداية، ما شفتش حاجة غريبة.
جرارات قديمة.
صناديق قطع غيار.
أدوات حسن.
لكن بعد ثواني
لاحظت إن أحد الصناديق كان متحركًا.
الصندوق كان دايمًا في الركن الشمالي.
دلوقتي بقى على بعد متر تقريبًا من الحائط.
قربت.
سحبته.
ورا الصندوق كان فيه باب صغير في الحائط.
باب أنا عمري ما شفته.
أو بالأصح
عمري ما لاحظته.
كان عليه قفل.
لكن القفل كان مكسورًا.
فتحت الباب.
ووجدت درجًا ضيقًا ينزل تحت الأرض.
وقفت مكاني.
حسن لم يقل لي يومًا إن هناك قبوًا تحت المخزن.
أشعلت مصباح هاتفي ونزلت.
درجة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
لحد ما وصلت لغرفة صغيرة.
وفي منتصف الغرفة كان فيه مكتب خشبي قديم.
مكتب حسن.
عرفته فورًا.
نفس الخدوش.
نفس المقبض المكسور.
نفس البقعة الداكنة على طرفه.
اقتربت منه.
كان فوقه صندوق معدني.
فتحته.
جواه صور قديمة.
خرائط.
عقود.
وخطابات.
وبين كل الأوراق
وجدت ظرفًا بنيًا مكتوبًا عليه بخط حسن
لو حصل لي حاجة جمالة لازم تعرف الحقيقة.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
أول ورقة كانت تقريرًا عن ملكية الأرض.
والورقة الثانية كانت أخطر.
كانت نسخة من اتفاق قديم بين حسن وشخص آخر.
لكن الاسم الموجود في أسفل الورقة جعلني أتراجع خطوة.
نفس الاسم اللي قاله محمود.
الرجل اللي ظننته اختفى.
قلبت الورقة.
وفي ظهرها كان فيه سطر واحد كتبه حسن بخط إيده
أنا لم أمت بسبب الحادث.
توقفت أنفاسي.
قريت الجملة مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم جلست على الأرض.
أنا لم أمت بسبب الحادث.
إذن حسن كان يشك إن اللي حصل له لم يكن حادثًا.
لكن لماذا لم يخبرني؟
ولماذا أخفى هذه الأوراق؟
وقبل ما أقدر أفكر
سمعت صوت باب المخزن فوقي يُفتح.
ثم صوت خطوات.
حد دخل.
حبست أنفاسي.
الخطوات قربت من باب القبو.
ثم سمعت صوت رجل يقول
هي لسه ما اكتشفتش الورق؟
وصوت آخر رد
لأ بس لو اكتشفته، كل حاجة هتنهار.
تجمدت.
كنت وحدي تحت الأرض.
والشخصان كانا فوقي.
ثم سمعت صوتًا ثالثًا
صوت أحمد.
لازم ناخد الملف قبل ما أمي تشوفه.
وقتها فهمت
إن ابني لم يكن مجرد ضحية لخطة سارة.
كان يعرف أكثر مما قال لي.
لكن السؤال الحقيقي كان
من كان يوجه أحمد وسارة من البداية؟بصيت لأحمد وكأني مش فاهمة كلامه.
شريك أبوك؟
هز رأسه.
أيوه.
قربت منه خطوة.
إنت عرفت ده إمتى؟
اتردد.
ثم قال
من حوالي سنة.
سنة كاملة وإنت ساكت؟
كنت خايف.
ضحكت بمرارة.
خايف مني؟
لأ خايف من اللي ممكن يحصل لو عرفتي.
حطيت الملف على المكتب.
يبقى دلوقتي هتحكيلي كل حاجة.
أحمد قعد على الكرسي.
وكان واضح لأول مرة إن ابني اللي طول عمره بيحاول يبان قوي كان مرعوب.
قال
الراجل اسمه فؤاد كامل.
الاسم وقع عليّ كأنه حجر.
فؤاد؟
أيوه.
غمضت عيني.
افتكرت حسن وهو بيرجع من اجتماعاته القديمة، ودايمًا كان بيقول إن فيه شخص لازم نبعد عنه.
لكن عمره ما قال لي الاسم.
أحمد كمل
بعد وفاة أبويا، فؤاد اختفى. وأنا لما كبرت بدأت أدور ورا بعض الأوراق القديمة.
ليه؟
عشان أعرف الحقيقة.
والحقيقة إيه؟
سكت طويلًا.
ثم قال
أبويا ماكانش مجرد مزارع.
نظرت له.
كان شريك في شركة توريد معدات زراعية قبل ما نشتري الأرض.
وبعدين؟
الشركة حصل فيها خلاف كبير. فؤاد كان عايز يبيع جزء من الأراضي اللي كانوا بيشتروا فيها معدات ويعمل عليها مشروع.
شعرت بقشعريرة.
والأرض بتاعتنا؟
كانت واحدة من الأراضي اللي عينه عليها.
هززت رأسي.
لكننا ماكناش نملك غير 200 فدان وقتها.
عارف.
يبقى إزاي؟
أحمد فتح الملف.
لأن أبويا كان بدأ يشتري الأراضي المحيطة واحدة واحدة.
نظرت إليه.
علشان يوسع المزرعة؟
ده اللي قالهولك.
توقفت.
إيه معنى كلامك؟
أحمد قال
كان فيه سبب تاني.
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
صورة لحسن وفؤاد واقفين أمام بوابة المزرعة.
وخلفهم كانت اللافتة الحديدية القديمة.
لكن في الصورة
كانت اللافتة مكتوب عليها اسم مختلف.
مش مزرعة منصور.
اسم شركة.
منصور للتنمية الزراعية.
قلت
أنا عمري ما شفت الصورة دي.
لأن أبويا خبّاها.
ليه؟
أحمد بص لي.
لأنه كان عارف إن فؤاد بيحاول يستولي على الأرض.
قبل ما أستوعب كلامه، سمعنا طرقًا قويًا على باب المخزن.
كان محمود.
دخل بسرعة.
وقال
جمالة، لازم نمشي من هنا فورًا.
بصيت له باستغراب.
ليه؟
أشار للملف.
لأن اللي فيه أخطر مما توقعت.
فتحته.
وأشار إلى صفحة قديمة.
بصي هنا.
قرأت.
كان فيه توقيع حسن.
وتوقيع فؤاد.
وتاريخ يعود إلى قبل وفاة حسن بشهرين.
لكن تحت التوقيعات كان فيه بند غريب.
في حالة وفاة أحد الشركاء، تنتقل إدارة الأصول المشتركة مؤقتًا إلى الطرف الآخر.
رفعت عيني.
يعني لو حسن مات
محمود أكمل
فؤاد كان ممكن يطالب بإدارة جزء من الممتلكات.
لكن العقد انتهى.
المفروض.
قالها بطريقة جعلتني أتوقف.
المفروض؟
محمود أخرج ورقة أخرى.
لأن فيه ملحق للعقد.
فتح الورقة.
وكان التوقيع موجودًا.
لكن التوقيع هذه المرة
لم يكن توقيع حسن.
كان توقيعي أنا.
تراجعت خطوة.
ده مش توقيعي.
محمود قال
عارف.
أحمد بص للورقة.
ثم قال
يبقى حد زور توقيع أمي.
سكتنا جميعًا.
ثم جاء صوت من الخارج.
صوت سيارة توقفت أمام المخزن.
محمود قرب من الشباك وبص.
ثم رجع ووشه متغير.
فؤاد رجع.
قلت
إزاي؟
قال
مش لوحده.
خرجت ناحية الباب.
ومن بعيد شفت ثلاث عربيات داخلة من البوابة.
في أول عربية كان فؤاد.
وفي الثانية
كانت سارة.
أما الثالثة فكان فيها رجلان يحملان حقائب سوداء.
بصيت لأحمد.
إنت كنت تعرف إنهم جايين؟
هز رأسه بسرعة.
لا.
لكن قبل ما نقدر نعمل أي شيء، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
جاءني صوت رجل مسن
جمالة منصور؟
أيوه.
أنا أعرف الحقيقة اللي حسن حاول يخبيها عنك.
مين حضرتك؟
قال
واحد كان موجود يوم الحادث.
سكتُّ.
ثم سألته
إنت كنت مع حسن؟
قال
أيوه.
وشفت إيه؟
صمت ثواني.
ثم قال جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
حسن ما ماتش في الحادث يا جمالة
هو مات قبل الحادث بساعات ماقدرتش أرد.
فضلت ماسكة التليفون وإيدي بتترعش.
يعني إيه مات قبل الحادث بساعات؟
الرجل قال
يعني العربية اللي وقعت في الحقل ماكانش جواها حسن وقت وقوع الحادث.
بصيت لمحمود.
كان واقف قدامي، ووشه اتغير.
قلت
إنت متأكد؟
كنت شغال وقتها في محطة الوقود اللي جنب الطريق. شفت حسن قبلها بساعات.
وكان معاه مين؟
سكت الرجل.
ثم قال
فؤاد.
شهقت.
أحمد قرب مني.
ماما، مين؟
غطيت السماعة بإيدي وقلت
واحد بيقول إنه كان شاهد يوم موت أبوك.
ثم رجعت للتليفون
لو كنت شفت فؤاد مع حسن، ليه ما اتكلمتش وقتها؟
قال
اتكلمت.
مع مين؟
الشرطة.
وإيه اللي حصل؟
ضحك ضحكة حزينة.
الشهادة اختفت.
سكتُّ.
ثم سألته
ليه بتكلمني دلوقتي؟
قال
لأن فؤاد رجع.
وإنت عايز إيه؟
عايز أخلص ديني لحسن قبل ما أموت.
ثم أغلق الخط.
وقفت مشلولة




