وظفت ولد

الباب كان مقفول.
يوسف أشار لي أستخبى.
مشينا بهدوء ناحية الممر.
كل خطوة كانت تقربنا من المطبخ.
وفجأة…
وقع شيء زجاجي.
ثم سمعنا خطوات.
يوسف فتح باب غرفة جانبية بسرعة، ودخلنا وقفله.
فضلنا ساكتين.
الخطوات قربت.
ثم توقفت أمام الباب.
مقبض الباب اتحرك.
مرة.
مرتين.
وبعدين سمعنا صوت رجل يقول
عارف إنكم هنا.
يوسف بصلي.
وفجأة قال بصوت عالي
لو كنت عايز تدخل، ادخل.
سكت الرجل.
ثم قال
يوسف… أنت مش فاهم اللي بيحصل.
يوسف رد
يبقى فهمني.
صمت طويل.
وبعدين الرجل قال
أبوك كان عايز يحميك.
يوسف تجمد.
إنت تعرف أبويا؟
أعرفه أكتر مما تتخيل.
قلت
إنت مين؟
جاء الرد
أنا الشخص اللي أبوك سلّمني آخر رسالة قبل ما يختفي.
ثم وضع شيئًا تحت الباب.
صورة.
يوسف انحنى وأخذها.
كانت صورة قديمة لأربعة رجال.
والد يوسف.
والدي.
الرجل المسن.
ورجل رابع.
يوسف رفع الصورة.
مين الرابع؟
الرجل من خلف الباب قال
هو السبب في كل اللي حصل.
قلبت الصورة.
كان مكتوبًا خلفها
إذا حدث لي شيء، لا تثقوا في الرجل الذي يحمل هذا الاسم.
لكن الاسم كان ممسوحًا.
ثم جاء صوت طرق خفيف.
وأنا جاي أقول لكم مين هو.
فتح يوسف الباب فجأة.
لكن الممر كان فاضي.
الرجل اختفى.
وعلى الأرض كان فيه ظرف جديد.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
كان عليها اسم.
قرأته مرة.
ثم مرة ثانية.
وشعرت إن الدنيا بتلف بيا.
لأن الاسم…
كان اسم الشخص اللي باعني البيت.
وفي أسفل الورقة جملة قصيرة
هو لم يبعك البيت… هو سلّمه لكِ.
رفعت عيني ناحية يوسف.
وقبل ما أتكلم، تليفونه رن.
نظر للشاشة.
ثم شحب وجهه.
قلت
مين؟
قال
أمي.
رد بسرعة.
لكن قبل ما يقول كلمة، جاءه صوتها مرتجفًا
يوسف… ماترجعش البيت.
يوسف وقف مكانه.
ليه؟
قالت
لأن حد كان هنا وسأل عليك.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
وساب لي صورة أبوك.
يوسف قبض على الهاتف.
ماما، إنتِ فين؟
جاء صوتها
أنا…
ثم انقطع الاتصال.
بص يوسف لي.
أمي اختفت من البيت.
وفي نفس اللحظة…
وصلت رسالة على تليفوني من الرقم المجهول
دلوقتي عرفتوا ليه يوسف كان بيجز النجيلة؟
ثم رسالة ثانية
لأن أول دليل كان مدفونًا تحت النجيلة من سنين.
وثالث رسالة ظهرت بعدها مباشرة
لكن الدليل الثاني… كان داخل البيت طول الوقت فضلنا ساكتين بعد آخر رسالة.
يوسف كان باصص لشاشة موبايلي كأنه بيحاول يفهم كل حاجة في نفس الوقت.
قال
أنا ماكنتش عارف إن فيه حاجة مدفونة تحت النجيلة.
بصيت له
بس إنت كنت بتجزها كل أسبوع.
هز رأسه.
كنت بدور… لكن مش بالطريقة اللي فاكرها.
سألته
يعني إيه؟
قال
أبويا قبل ما يختفي كان عنده خريطة صغيرة للحديقة. كان عليها مكان معين، لكن الخريطة اختفت.
ثم أضاف
لما شفت البيت معروض للبيع، شكيت إن الحاجة لسه هنا. عشان كده جيت أشتغل عندك.
خرجنا للحديقة.
كان الليل بدأ ينزل، والهواء بارد بشكل غريب.
يوسف جاب المجرفة القديمة.
بدأنا نفتش المكان اللي أشار له على الخريطة اللي في الصورة.
بعد دقائق، اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
يوسف وقف.
لقينا حاجة.
حفرنا أكثر.
ظهر صندوق معدني صغير.
لكن الصندوق كان مقفول.
يوسف أخرج المفتاح.
جربه.
تك.
اتفتح.
جواه كان فيه دفتر قديم، ومفتاح سيارة، وقطعة قماش ملفوفة حول شيء معدني.
فتحت الدفتر.
أول صفحة كان مكتوب عليها
الأسماء ليست كما تبدو.
قلبت الصفحة.
كانت فيها أسماء أشخاص وتواريخ.
وبجانب كل اسم علامة.
لكن اسم واحد كان عليه خط أحمر كبير.
اسم الرجل الذي باعني البيت.
يوسف قال
ده مش مجرد سمسار.
قلت
واضح إنه كان جزء من كل اللي حصل.
وفجأة سمعنا صوت سيارة من أمام البيت.
رفعنا رأسنا.
كانت عربية سوداء.
نفس العربية.
يوسف قال
لازم نستخبى.
رجعنا ناحية الجراج.
لكن قبل ما نوصل، خرج رجل من العربية.
لم يكن الرجل الذي رأيناه من قبل.
كان شخصًا آخر.
وقف بعيدًا وقال
أنا مش جاي أؤذيكم.
يوسف رد
فين أمي؟
الرجل سكت.
ثم قال
لو عايز تعرف مكانها، هات الدفتر.
يوسف شد الدفتر.
مش هديك حاجة.
الرجل قال
يبقى أمك هتفضل في مكانها.
تقدمت خطوة.
فين هي؟
رد
في مكان آمن.
قلت
عايزة أسمع صوتها.
الرجل أخرج هاتفًا.
شغل تسجيلًا قصيرًا.
صوت والدة يوسف كان واضحًا
يوسف… ماتخافش.
ثم انقطع التسجيل.
يوسف اتجه ناحيته، لكني مسكته.
الرجل قال
قدامكم ساعة واحدة.
ثم رمى ورقة على الأرض.
وركب العربية.
وقبل ما تتحرك، قال
ولو فتحتوا الصفحة الأخيرة من الدفتر… مش هتحتاجوا تسألوني مين أنا.
العربية اختفت.
فتحنا الدفتر.
وصلنا للصفحة الأخيرة.
لكنها كانت ممزقة.
وفي مكان الورقة الممزقة…
كان فيه أثر كتابة بالقلم.
يوسف قرب عينه.
وقال
استني… فيه كلمات لسه ظاهرة.
قرأنا معًا
الشخص الرابع ليس رجلًا…
وتحتها مباشرة
إنها…
ثم انقطع الكلام.
بصيت ليوسف.
إنها مين؟
يوسف ما ردش.
لأنه كان واقف قدامنا…
ومعه الصفحة المفقودة.
وكان واضح من عينيه إنه عرف بالضبط مين صاحبة السر يوسف فضل واقف ساكت، والصفحة الممزقة في إيده.
قلت له
إنت عرفت مين؟
ما ردش.
مديت إيدي
وريني.
تردد ثواني، وبعدها سلّمني الورقة.
كان مكتوب عليها
الشخص الرابع ليست امرأة غريبة… إنها المرأة التي ربّت يوسف بعد اختفاء والده.
اتجمدت.
أم يوسف؟
يوسف هز رأسه ببطء.
أمي؟ مستحيل.
لكن قبل ما يكمل، لاحظت حاجة في أسفل الورقة.
كان فيه توقيع صغير.
توقيع والده.
وتحته جملة
سامحيني… لكن لازم يوسف يعرف الحقيقة يومًا ما.
يوسف بدأ يتراجع.
لا… أمي عمرها ما كانت هتعمل حاجة.
قلت
محدش قال إنها عملت حاجة.
قال بغضب
كل اللي حصل بيقول كده!
وفجأة سمعنا صوت سيارة قادمة بسرعة.
لكنها لم تكن العربية السوداء.
كانت سيارة أجرة قديمة.
توقفت قدام البيت، ونزل منها الرجل المسن اللي قابلناه تحت الجراج.
كان يلهث.
لازم تمشوا من هنا فورًا.
يوسف سأله
فين أمي؟
الرجل لم يرد.
إنت عارف مكانها؟
قال
أيوه.
يوسف قرب منه
فين؟
الرجل أخرج هاتفه.
فتح صورة.
كانت صورة لوالدة يوسف وهي جالسة داخل غرفة.
لكنها كانت تبدو هادئة.
مش مصابة.
ومش مقيدة.
بص يوسف للصورة ثم للرجل.
هي عندك؟
الرجل قال
هي طلبت مني ماقولكش الحقيقة إلا لما تكون مستعد.
يوسف اتعصب
أي حقيقة؟!
الرجل تنهد.
والدك ما اختفاش بسبب الدليل.
سكت لحظة.
والدك اختفى لأنه اكتشف مين اللي كان بيجمع الأدلة أصلًا.
قلت
مين؟
الرجل بصلي مباشرة.
والدك كان بيجمع الأدلة ضد شخص واحد… شخص كان أقرب للبيت من أي حد.
يوسف سأله
مين؟
الرجل أخرج صورة قديمة.
في الصورة كانت والدة يوسف واقفة بجانب والدي.
اتسعت عيني.
إيه علاقة أمي بوالدها؟
الرجل قال
كانت تعرفه من زمان.
يوسف هز رأسه
أمي كانت مجرد جارة.
ده اللي اتقال لك.
ثم أعطاه ظرفًا.
ده والدك كتبه قبل اختفائه.
يوسف فتح الظرف.
قرأ أول سطر.
وفجأة جلس على الكرسي.
سألته
إيه المكتوب؟
رفع عيني نحوي.
وكان صوته مرتعشًا
أبويا كتب إن أمي هي اللي كانت بتحاول تحميني.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وإن الشخص اللي كان بيخاف منه… مش أمي.
قلت
أمال مين؟
يوسف قلب الورقة.
في آخرها كان اسم مكتوب بخط واضح.
قرأه.
ثم بص لي.
اسم صاحب البيت السابق.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفي.
رقم مجهول.
رديت.
جاء صوت هادئ جدًا
لو عايزة يوسف يفضل عايش بأمان… ماتدوريش على الصفحة المفقودة.
ثم انقطع الاتصال.
بصيت ليوسف.
لكن قبل ما أقول أي كلمة…
سمعنا صوت شيء يقع من داخل الجراج.
جرينا ناحية الصوت.
كانت الجزازة القديمة بتاعة يوسف.
لكن هذه المرة…
كان تحتها ظرف صغير.
فتحناه.
وفي داخله…
كانت الصفحة المفقودة من الدفتر.
وعليها سطر واحد فقط
الحقيقة بدأت يوم وُلد يوسف فضلت باصة للجملة، مش فاهمة معناها.
يوسف أخذ الصفحة من إيدي وقال
يعني إيه الحقيقة بدأت يوم ما اتولدت؟
الرجل المسن ما ردش.
بص له يوسف
إنت عارف.
الرجل قال بهدوء
أيوه.
يبقى اتكلم.
تنهد.
يوسف… أبوك ماكانش بيدور على دليل وقت اختفائه.
أمال كان بيدور على إيه؟
الرجل بصلي أنا.
ثم قال
كان بيدور على شخص.
سألته
مين؟
قال
الطفل اللي كان موجود وقت آخر اجتماع حصل في البيت.
يوسف عقد حاجبيه.
طفل؟
الرجل هز رأسه.
أبوك كان مقتنع إن الطفل ده شاف حاجة ماكانش المفروض يشوفها.
يوسف سأل
وكان الطفل ده أنا؟
الرجل سكت.
وهنا بدأت أفهم.
يوسف نفسه ماكانش يعرف كل حاجة عن طفولته.
قلت
إنت قلت إن الحقيقة بدأت يوم وُلد يوسف… يعني هو كان موجود في البيت؟
الرجل رد
مش يوسف.
يوسف اتجمد.
أمال مين؟
الرجل أخرج صورة صغيرة جدًا من جيبه.
حطها على الترابيزة.
كانت الصورة لطفلين صغيرين واقفين قدام نفس البيت.
واحد منهم يوسف.
أما الطفل الثاني…
فكان أنا.
اتنفست بصعوبة.
أنا؟
الرجل قال
إنتِ ويوسف اتقابلتوا قبل سنين طويلة… لكن محدش فيكم فاكر.
بصيت ليوسف.
هو كان مذهول.
إزاي؟
الرجل قال
لأن والدك ووالد يوسف كانوا بيحاولوا يحموا عيلتين من نفس الشخص.
سألته
مين الشخص ده؟
وقبل ما يرد…
وصل صوت سيارة من آخر الشارع.
الرجل بص ناحية الباب.
مفيش وقت.
يوسف قال
فين أمي؟
في مكان آمن.
عايز أشوفها.
هتشوفها… بس بعد ما نلاقي آخر جزء من الدليل.
يوسف رفع الصفحة.
إيه آخر جزء؟
الرجل أشار إلى الجزازة القديمة.
الجزازة دي مش بتاعة يوسف.
بصينا له.
قال
أبوك هو اللي اشتراها من سنين.
يوسف اتصدم.
ليه؟
الرجل رد
لأن تحت مقبضها كان مخبي آخر شيء سابه لك.
قلبنا الجزازة بسرعة.
فعلًا، كان فيه جزء معدني صغير مثبت أسفل المقبض.
يوسف فكّه.
وقع منه مفتاح صغير جدًا.
لكن هذه المرة…
كان المفتاح عليه اسم.
اسمي أنا.
بصيت ليوسف.
ليه المفتاح عليه اسمي؟
الرجل المسن قال
لأن والدك ماكانش بيحاول يخبي الحقيقة عنك.
ثم سكت.
كان بيحاول يخلي الحقيقة توصل لكِ في الوقت المناسب.
وفجأة…
وصلت رسالة على هاتف يوسف.
فتحها.
كانت من رقم أمه.
جملة واحدة
يوسف، لو وصلت للمفتاح… ماتثقش
في الرجل اللي واقف جنبك.
يوسف رفع عيني ببطء.
ونظر للرجل المسن.
أما الرجل…
فلم ينكر شيئًا.
فقط قال
أخيرًا… عرفتوا يوسف فضل واقف مكانه، وعينيه على الرجل المسن.
يعني إنت كنت بتكدب علينا من البداية؟
الرجل تنهد وقال
أنا كنت بحاول أحميكم.
لكن يوسف رفع المفتاح.
أمي قالت ما أثقش فيك.
الرجل سكت لحظة، ثم قال
أمك قالت لك كده لأنها كانت خايفة إن الحقيقة توصل لك.
فتح يوسف الرسالة مرة تانية، ولاحظ إن الرقم اللي وصلت منه الرسالة هو نفس الرقم اللي كانت أمه بتستخدمه زمان.
قال
بس أمي مش معاها تليفونها.
الرجل ابتسم بحزن.
بالضبط.
ساعتها فهمنا إن الرسالة ماكانتْش من أم يوسف أصلًا.
كان حد بيحاول يوقعنا في بعض.
اتصلنا بالشرطة، وقدمنا لهم الصور والملفات والتسجيلات.
وبعد ساعات من التحقيق، اتضح إن البيت كان مرتبطًا بعملية تزوير قديمة، وإن والد يوسف ووالدي كانوا بيحاولوا يكشفوا المتورطين فيها.
والد يوسف اختفى لفترة طويلة لأنه اضطر يختبئ بعد ما اتعرض للتهديد، لكنه كان قد ترك الأدلة موزعة في أماكن مختلفة حتى لا يستطيع شخص واحد الوصول إليها.
أما الرجل الذي باعني البيت، فكان أحد الأشخاص الذين حاولوا الاستيلاء على الأدلة والتخلص منها.
والأغرب؟
والد يوسف كان قد اتفق مع والدي قبل سنوات على أن يظل يوسف بعيدًا عن الموضوع تمامًا.
لكن بعد وفاة والدي، بدأت الأدلة تظهر من جديد.
وده كان سبب ظهور يوسف أمام باب بيتي.
هو لم يكن يريد سرقة شيء.
كان يحاول العثور على آخر دليل تركه والده.
أما أنا…
فلم أكن أعرف أن البيت الذي اشتريته كان جزءًا من قصة بدأت قبل سنوات من انتقالي إليه.
وبعد أيام، عادت والدة يوسف بأمان.
وفي أول مرة قابلتها، قالت لي
أنا آسفة إنك دخلتي في كل ده.
ابتسمت وقلت
لو يوسف ماكانش جز النجيلة عندي، عمرنا ما كنا عرفنا الحقيقة.
ضحكت وقالت
هو أصلًا عمره ما كان بيحب جز النجيلة.
بصيت ليوسف.
ضحك لأول مرة من غير خوف.
وبعد فترة، تم تسليم الأدلة للجهات المختصة، وانتهت القضية القديمة بعد ظهور المستندات والتسجيلات التي كانت مخبأة طوال تلك السنوات.
أما الجزازة القديمة…
فاحتفظت بها.
مش لأنها كانت سبب كل اللي حصل.
لكن لأنها فكرّتني إن أحيانًا الشخص اللي يظهر في حياتك بشكل عادي جدًا…
ممكن يكون عنده سبب أكبر بكتير من اللي تتخيله.
ومن يومها، كل ما أشوف ولد صغير بيحاول يشتغل عشان يوفر فلوس للدراسة، ماحكمش عليه من هدومه ولا من الأدوات اللي معاه.
لأن يوسف علّمني درسًا عمري ما هنسيه
مش كل سر بيكون خطرًا… أحيانًا السر بيكون الحقيقة الوحيدة اللي قادرة تنقذ الناس.



