لرومانى مكرم 2

خرجت من بيت سامح في الليلة دي وأنا دموعي نازلة بس مش ضعف.. كانت دموع حسرة على الأطفال الأيتام اللي سيبتهم ورايا في جهنم. سيف الصغير كان كافف إيده الصغيرة على صابعي وهو عيان ومغيب في السخونية، ومريم ووالدها يوسف باصين لي من ورا الباب بنظرات ترجي قطعت قلبي. بس سامح؟ سامح كان واقف وراهم زي الشبح، كبرياؤه الفارغ وغروره مانعينه حتى يبتسم أو يقول كلمة عدلة، كان فاكر إن دموع الأطفال دي هي الكارت اللي هيخليني أركع تحت رجليه وأقبل بالاهانة والعفش المكسر والأجهزة اللي هجيبها من شغاي.
رجعت بيتنا، وأول ما فتحت الباب لقيت أمي وأبويا قاعدين مستنيين.

أمي بصت لي بنظرة لوم وعتاب: “كنتِ فين يا سحر؟ الناس شافوكي ونازلة رايحة ناحية بيت سامح، أهو القرايب مش سايبيننا في حالنا، وبيقولوا سحر راحت تترجاه يرجعها!”
وقفت في نص الصالة، ونفضت غبار الحزن عني، وبصيت لأمي وأبويا وقلت بنبرة قاطعة هزت البيت: “اللي عاوز يقول يقول يا أمي! أنا كرامتي مش للبيع، وأنا اتقيت ربنا في عيال أيتام ورجعت البت لأبوها المهمل وعالجت الواد الصغير وعطيت الدكتور حقه وخرجت بكرامتي مرفوعة. ومن النهاردة، مش عاوزة أسمع كلمة واحدة عن جوازة سامح، ولا عن قطار الجواز اللي فاتني، ولا عن كلام الناس اللي لا بيقدم ولا بيأخر!”

أبويا بص لي طويلًا، وشاف في عينيا نبرة قوة عمره ما شافها قبل كده. تنهد وقال: “ربنا يهديكي يا سحر، بس العفش والجهاز اللي ملا الأوضة ده هنعمل فيه إيه؟ الفلوس اللي تحوشت في شغلك طارت على حاجة مش هتنفعنا.”
رديت بثقة: “الجهاز مش هيخسر يا بابا. الأجهزة الكهربية صاغ سليم وموجودة، وال صيني اللي اشتريته بفلوسي مش هيترمى. أنا اشتغلت وشقيت وعملت قيمة لنفسي، ومحدش له عندي مليم.”
من اليوم ده، قررت أبدأ صفحة جديدة تمامًا. نفضت عن نفسي غبار الحسرة، وقررت أركز في شغلي في الحضانة الخاصة اللي بشتغل فيها.

كانت الحضانة بالنسبة لي مش مجرد أكل عيش، كانت المتنفس اللي بفرغ فيه حنيتي وأمومتي اللي حرمتني منها الأيام. بدأت أطور من نفسي، أخدت كورس في تربية الأطفال والتعامل مع صعوبات التعلم، والمديرة لما شافت شطارتي وعزيمتي، ترقتني وبقيت المسؤولة عن إدارة الفرع كله، ومرتبي زاد ضعف.
كان كلام الناس في المنطقة لسه بيزن زي الذباب: “سحر كبرت خلاص”، “سحر رفضت الستر عشان العفش”، “مين هيطل في وشها بعد الـ35؟”. بس كل ما كانت كلمة تجيلي من تحت لتحت، كنت ببتسم وابتلعهما بكل برود، وأقول لنفسي: “الذهب ما بيصديش، والكرامة ما تتقدرش بفلوس.”
مرت شهرين..

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *