لرومانى مكرم 2

شهرين وأنا مبغفلش عن الأطفال. كنت بسأل عليهم من بعيد لبعيد عن طريق جارتهم الطيبة “أم أحمد”. أم أحمد كانت بتجيلي الحضانة وتقولي الأخبار: “يا سحر يا بنتي، الشقة عندهم بقت زي المزبلة، سامح كل يوم يجيب شغالة ويهربوا منه بسبب معاملته وبخله، والعيال بهدلة، يوسف بقى يتأخر عن المدرسة، ومريم أكلها قليل ونحفت، وسيف الصغير طول الوقت بيصرخ ويقول عاوز ماما سحر.”
كان قلبي بيتعصر دم، بس كنت عارفة إن أي خطوة مني ناحيتهم سامح هيفسرها إنها ضعف مني وحيلة عشان أرجع له، وأنا حنفيات الكرامة عندي مقفولة بالضبة والمفتاح.

وفي يوم من أيام الشتا الشديدة، كانت الدنيا تمطر مطر يغرق الشوارع والجو ثلج. كنت في الحضانة بخلص الأوراق والأرقام بعد ما الأطفال مشوا، وسمعت خبط قسوي ومتواصل على باب الحضانة الخارجي.
قمت مخضوضة، فتحت الباب.. اتفاجئت بسامح!
بس ما كانش سامح بتاع زمان.. الراجل اللي كان بيجي يتشرط ويحط رجل على رجل بيقلب الشاي باستعلاء ويضحك ببرود، كان واقف قدامي مبهدل، هدومه مبلولة من المطر، وشه أصفر وشاحب، وعينيه مكسورة ومطفية. وعلى إيديه شايل سيف الصغير الملفوف في بطانية، ووراه يوسف ومريم ينفضوا من البرد والدموع مغرقة وشوشهم.
وقفت عند الباب، وبصيت له برود وقلت:

“خير يا أستاذ سامح؟ إيه اللي جابك هنا في الوقت ده وفي الجو ده؟ الحضانة قفلت خلاص.”
سامح بص لي بنظرة عمري ما شفتها فيه.. نظرة انكسار ورجاء. شفايفه كانت بترتعش وهو بيحاول يتكلم، والغضب والغرور اللي كانوا مالين كيانه طاروا في الهواء.
قال بنبرة متقطعة ومبحوحة: “سحر.. الحقيني يا سحر! سيف حرارته ارتفعت تاني ورجع يقطع النفس، الشغالة سابت البيت ومشت من الصبح، وأنا مش عارف أتصرف، والعيال بقالهم يومين ما ذاقوش اللقمة العدلة.. أنا أسف يا سحر.. أسف!”
الكلمة طلعت منه زي الجمرة المكتومة.. “أسف!”. الراجل اللي قال لي “أنتِ كنتِ طايلة جديد ولا قديم؟”

و”أحمدي ربنا إني بصيت لك ولميتك”، واقف النهاردة قدامي في الشارع تحت المطر بيترجاني وبيعترف بقلة حيلته!
بصيت للأطفال، يوسف جرى عليا ومسك في جيب بالتيي وهو بيعيط: “ماما سحر.. تعالي معانا، البيت وحش أوي من غيرك، بابي طول الوقت يعيط ويقول أنا بوظت كل حاجة!”
شلت سيف من إيده فورًا، ودخلتهم جوة الحضانة الدافية. جوبت فوط ناشفة، وغطيت الأطفال، وشغلت الدفاية، وعملت لسيف كمادات دافية واديته نقط الحرارة اللي كانت عندي في الصيدلية الصغيرة بتاعة الحضانة. وسامح؟ كان واقف في الزاوية زي التلميذ الخايب اللي مستني العقاب، مش قادر يحط عينيه في عينيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *