بعد وفاه جوزى 2

أنا بجد آسف على كل لحظة رفعت فيها صوتي، أو حسستك فيها إنك مالكيش حق تعيشي حياتك.
مسحت على شعره بحنان دافئ، وقالت:
* أنا نسيت يا حازم.. نسيت من اليوم اللي شفتك فيه بتبكي وبتعرف غلطك. أهم حاجة عندي إنك تكون اتعلمت الدرس، وإنك تبقى راجل بجد، يقدر معنى التضحية، ويحترم الست اللي في حياته، سواء كانت أمك أو أختك أو مرتك في المستقبل.
في هذه الأثناء، ورغم أن المياه كانت قد عادت إلى مجاريها في البيت، إلا أن موضوع زميل أمه في العمل لم يُمحَ تماماً من ذاكرة حازم.
كان يعلم في أعمق أعماقه أن أمه رفضت الرجل من أجله هو، ومن أجل إعادة ترتيب البيت، لكنه كان يعلم أيضاً أن أمه امرأة في قمة شبابها ونضجها، ولها الحق الكامل في أن تجد شريكاً يساندها ويقاسمها ما تبقى من العمر.
في اليوم التالي، وأثناء وجوده في الشغل مع أمه، طلب منها أن تتركه يذهب لشتراء بعض الأغراض. لكنه لم يذهب للسوبرماركت، بل اتجه مباشرة إلى مقر العمل الخاص بأمه. كان يعلم شكل زميلها الذي تقدم لها من خلال وصفها السابق ومن بعض الصور التي رآها بالصدفة.
دخل المبنى بخطوات ثابته، واستفسر عن مكتب الموظف.
عندما وصل إلى المكتب، طرق الباب واستأذن بالدخول.
كان الرجل يجلس خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق. رفع رأسه واستقبل الشاب بتساؤل:
* أهلاً يا بني.. تفضل، أقدر أساعدك إزاي؟
وقف حازم بثبات، ونظر في عينيه مباشرة وقال:
* أنا حازم.. ابن الأستاذة اللي حضرتِك اتقدملت لها من فترة.
تغيرت ملامح الرجل وظهر عليها الاندهاش والتحفظ في آن واحد.
وضع القلم من يده، واستوى في جلسة متوجسة، يتوقع أن الشاب جاء ليوجه له إهانات أو لينبهه بالابتعاد عن أمه.
* أهلاً يا حازم.. خير؟ في حاجة حصلت؟
تنفس حازم ببطء، وجلس على الكرسي المقابل للمكتب دون أن يفقد ثباته:
* أنا جاي هنا عشان أعتذر لك بنفسي.. وعشان أوضح لك حاجة مهمة.
ازداد استغراب الرجل:
* تعتذر لي؟ على إيه؟
رد حازم بنبرة فيها نضج واضح:
* بعتذر عن الرفض اللي جالك من أمي. الرفض ده مكنش بسببك، ولا عشان أنت فيك عيب.. الرفض ده كان بسببي أنا.
أنا ساعتها اتصرفت بغباء وأنانية، وعملت مشكلة كبيرة وخيرت أمي بيني وبين الجواز، وهي طبعاً اختارت ابنها زي ما أي أم عظيمة بتعمل.
ساد الصمت في الغرفة، والترقب يملأ وجه الرجل الذي لم يصدق ما يسمعه من شاب في هذا السن.
تابع حازم كلامه بثقة:
* أمي ضحت بعمرها كله عشاني، وأنا كنت فاكر إن ده حق مكتسب. بس أنا اتعلمت الدرس، وفهمت إن أمي من حقها تفرح وتلاقي اللي يشاركها حياتها. لو حضرتِك لسه عند عرضك، ولسه شارك أختيارك..
أنا جاي أقولك إن البيت مفتوح لك، وإن راجل البيت اللي هو أنا، بيطلب منك ترجع تتقدم لها تاني، وأنا أول واحد هبارك لك وهكون في ضهركم.
قام الرجل من خلف مكتبه، واقتربت خطواته من حازم وهو ينظر إليه بذهول وإعجاب شديدين. مد يده وصافحه بحرارة، ثم وضع يده الأخرى على كتف حازم وقال بصوت صادق:
* أنا سمعت عنك كتير من أُمك يا حازم.. كانت دايماً بتقول إنك راجل، وأنا صراحة لما اترفضت شكيت في كلامها وافتكرتك طفل أناني. بس النهاردة أنا شفت قدامي راجل بجد.. راجل بيعرف يعترف بغلطه وبيعرف يحمي أمه بجد مش بمجرد الكلام.



