بعد وفاه جوزى 2

ابتسم حازم وقال:
* أمي هي اللي ربتني يا أستاذ.. واللي أُمي مربياه لازم يكون راجل.
في مساء ذلك اليوم، عادت الأم إلى البيت متعبة كالعادة. وجدت الصالة معطرة، وطاولة الطعام مجهزة بعشاء دافئ أعده حازم بنفسه. جلست تتناول العشاء معه وهي تبتسم لاهتمامه.
فجأة، رن هاتف أمه. رفعت السماعة لتجد المتصل هو زميلها في العمل. تغيرت ملامحها للدهشة وهي تسمعه يقول لها عبر الهاتف:
* مساء الخير يا أستاذة.. أنا آسف على الإزعاج في الوقت ده. بس أنا بطلب تحديد ميعاد تاني عشان أزوركم في البيت وأطلب إيدك رسمي..
والمرة دي، أنا واخد الميعاد وموافق عليه من “راجل البيت” نفسه، حازم ابنك!
سقطت الهاتف تقريباً من يد أمه، ونظرت إلى حازم بعينين متسعتين من الصدمة والذهول، بينما كان حازم يبتسم لها بهدوء، ويومئ برأسه مستعداً لاستقبال المرحلة الجديدة في حياتهما.
سقطت سماعة الهاتف من يد أمي على الطاولة، وظلت بؤبؤة عينيها تتنقل بين الشاشة المضاءة باسم زميلها وبين وجهي المبتسم بثبات. كان الذهول ملء ملامحها، وكأنها تحاول إعادة تجميع أجزاء مشهد لم تخطط له ولم تتوقعه قط.
تنفسَت بصعوبة وقالت بصوت يرتجف بين الصدمة والعتاب:
* حازم.. أنت عملت إيه؟ أنت رحت له الشغل؟!
قمت من مقعدي بهدوء، واقتربت منها ثم جثوت على ركبتي إلى جوار كرسيها، ومسكت يديها اللتين كانت البرودة قد تسللت إليهما من فرط المفاجأة، وقلت لها بنبرة صادقة يملؤها الثبات:
* رحت له يا أمي.. رحت للراجل اللي رفضتيه عشان خاطري، وقلت له إن الرفض ده كان بسبب طفل أناني اتعلم الدرس خلاص وبقى راجل. قلت له إن البيت مفتوح، وإنك أديتِ رسالتك وزيادة، وجِه الوقت اللي تفرحي فيه.
تجمعت الدموع في عينيها، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر أو تعب، بل كانت دموع ذهول أم ترى ثمرة سنوات قسوتها وتضحياتها تنضج أمامه في لحظة واحدة.
رفعت يدها لتمسح على وجهي وقالت بنبرة متحشرجة:
* أنت بتعمل كده عشان ترضيني يا حازم؟ ولا عشان خايف أكون زعلانة منك؟ أنا مش عايزة حاجة تضغط عليك يا بني.. أنا كفاياني إنك بقيت جنب راجل.
ابتسمت لها وقلت:
أنا بعمل كده عشان دي الحقيقة يا أمي. عشان أنا شفت بعيني الشحط اللي عنده ١٧ سنة وهو مش عارف يدبر أكل يومه ولا يدفع ثمن درس من غيرك. وعرفت إن اللي ضحت بسبع سنين من شبابها عشان ماترميش ابنها لراجل غريب، تستاهل إن ابنها لما يكبر يختار لها أحسن راجل يصونها ويكون سند ليها وليا. أنا مش مجبر، أنا اللي طالبت ده بملء إرادتي.
مرت الأيام التالية في ترتيبات سريعة ومربكة، لكنها كانت مفعمة بدفء مفقود منذ سنوات طويلة. جاء الأستاذ طارق —زميل أمي— لزيارتنا في البيت. لم تكن الزيارة كأي زيارة تقليدية؛




