بعد وفاه جوزى 2

وعندما حانت لحظة المغادرة لبيتهم الجديد الذي سيعيشان فيه مؤقتاً قبل أن يعودا للتنقل بين البيتین، وقفت أمي عند الباب تتأملني بحيرة العاطفة، وكأنها خائفة من تركي لوحدي في البيت لأول مرة.
ابتسمت لها، وأمسكت بيد الأستاذ طارق ووضعتها في يدها، وقلت له بوضوح:
* أمانة عندك يا أستاذ طارق.. شيلها في عينيك، دي أغلى حاجة عندي في الدنيا.
ثم التفت إليها وقبلت رأسها:
* متقلقيش عليا يا أمي.. ابنك بقى راجل بيعرف يعتمد على نفسه، والبيت ده هيفضل متصان ومستني رجوعكم في أي وقت.
نزلا السلم ببطء، وظللت واقفاً عند الباب المفتوح أرقب خطواتهما حتى اختفيا في الظلام. أغلقت الباب بهدوء، ودخلت الصالة الخاوية. لم أشعر بالوحدة ولا بالخوف، بل شعرت براحة عميقة تملأ صدـ,,ـــري لأول مرة منذ سبع سنين.
نظرت إلى صورة أبي المعلّقة على الحائط، وابتسمت له بثقة وقلت بصوت خفيض:
* اطمن يا بابا..
أمانتك اتصانت، وأمي أمانة في أيد أمينة، وابنك أخيرًا بقى راجل.
لكن الأيام لا تسير دائماً بنفس الهدوء، فبينما كنت أستعد لاستقبال مرحلة الثانوية العامة واستقرار حياتنا الجديد، كانت هناك مفاجأة غير متوقعة في انتظاري مع بداية العام الدراسي الجديد، مفاجأة ستضع رجولتي واختباراتي السابقة على المحك مرة أخرى..
دخل العام الدراسي الجديد، ودخلت معه الثانوية العامة بضغوطها وثقلها المعروف، لكن حازم لم يعد ذلك الفتى الذي تك.سره الظروف أو تأخذه الحيرة.
كان يسير بخطى واثقة، يوفق بين ساعات دراسته المكثفة وبين عمله الجزئي في المكتبة الذي أصر على الاستمرار فيه ليغطي جزءاً من مصاريف كتبه ودروسه، رافضاً أن يحمل أمه وزوجها أي عبء إضافي.
كانت الحياة قد استقرت في مجراها الجديد؛ الأستاذ طارق أثبت مع الأيام أنه نعم السند والملاذ الهادئ لأمه، يعامل حازم باحترام ومودة، ويحرص دائماً على أن يظل لحازم مكانته الخاصة ومساحته المستقلة كصاحب البيت وواليه.
أما الأم، فقد أشرقت ملامحها وعادت إليها طاقة الحياة التي غابت لسنوات، ورغم انتقالهما المؤقت لبيت زوجها، إلا أنها كانت تزور حازم باستمرار، وتطمئن على نظافة بيته وطعامه، ليفاجئها في كل مرة بأنه أتقن كل تفاصيل الاعتماد على النفس.
لكن المحك الحقيقي لرجولة حازم لم يكن في إدارة شؤون حياته اليومية فحسب، بل جاء مع اختبار لم يكن بحسبان أحد.
في منتصف العام الدراسي، تعرض الأستاذ طارق لوعكة صحية مفاجئة، أزمة قلبية حادة استدعت دخوله المستشفى وإجراء جراحة عاجلة. في تلك اللحظات الفاصلة، تحولت الأدوار تماماً.



