بعد وفاه جوزى 2

لم أكن أقف في الزاوية كطفل يُملى عليه القرار، بل كنت أنا من يستقبله عند الباب، أُرحب به، وأجلس أمامه ندًا لند في الصالة التي شهدت قبل أسابيع قليلة أشد لحظات طفولتي طيشاً.
كان الأستاذ طارق رجلاً ناضجاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ لم يحاول فرض سلطته، ولم يتعامل معي بفوقية. نظراته لي كانت تحمل احتراماً جمّاً للتحول الذي شهد عليه بنفسه. قال لي وهو يشرب القهوة معي:
* أنا عارف يا حازم إنك صاحب البيت ده، وإن أمك هي كل دنيتك. أنا مش جاي أخد مكان أباك الله يرحمه، ولا جاي أضيق عليك.
أنا جاي أكون سند لأمك، ورفيق ليها في السنين اللي جاية، وأنت هتفضل دايماً الراجل الأول في عينها.
كانت كلماته كالبلسم الذي أزاح أخر رواسب الخوف من صدـ,,ـــري. اتُفق على كل شيء ببساطة ودون تكلف؛ عقد قران هادئ وحفل بسيط يجمع المقربين فقط.
خلال الأسبوعين اللذين سبقا الزفاف، تحولت شقتنا إلى ورشة عمل صغيرة. أعدنا طلاء الصالة، واشترينا بعض قطع الأثاث الجديدة لتجديد روح البيت. كنت أعمل بيدي إلى جوار العمال، أصلح السباكة، أتابع الدهانات، وأشتري المستلزمات. كنت أشعر بلذة عجيبة وأنا أدفع من المال الذي جمعته من عملي في المكتبة ليشارك في تجهيز بيت أمي.
وفي ليلة الزفاف.. كان المشهد في الغرفة يختصر كل شيء.
كنت أقف أمام المرآة أعدل رابطة عنقي، عندما دخلت أمي بكتانها الأبيض البسيط وفستانها الهادئ الذي أظهر أنوثتها وجمالها اللذين دفــ,,ـــــنتهما لسنوات تحت ركام التعب والمسؤولية. كانت تبدو كعروس في العشرينات، ملامحها مشرقة وضحكتها عائدة من منفاها.
وقفت تنظر إليّ بدموع حبسَتها بصعوبة، فاقتربت منها وأمسكت بيديها الاثنين.
* طالعة زي القمر يا أمي.. أحلى عروسة شفتها في حياتي.
دنت مني وضمتني إلى صدـ,,ـــرها بقة، حت أحسست بدقات قلبها المتسارعة، وقالت في أذني بصوت يرتجف:
* أنا ربيت راجل يا حازم..
السبع سنين اللي فاتوا مكانوش خسارة، وكل تعب الشارع والبيت هان في اللحظة دي لما شفتك واقف جنبي وبتسلمني بيدك.
مسكت يدها وخرجنا سوياً إلى الصالة حيث كان الحضور بانتظارنا. قُدِمت أمي إلى عريسها، وأنا أقف إلى جوارهما بثبات وثقة، أتقبل تبريكات الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يرمقونني بنظرات ذهول وإعجاب، متذكرين الشاب العصبي الذي كان يرفض الفكرة بالأمس، وكيف أصبح اليوم حامي الحمى والمسؤول الأول عن سعادة أمه.
وانتهى الحفل البسيط، وغادر الضيوف واحدًا تلو الآخر.



