بعد وفاه جوزى 2

كانت الأم تبكي في أروقة المستشفى بقلب مكلوم، خائفة من أن تفقد مجدداً الأمان الذي رممت به حياتها، وهنا ظهر المعادن الحقيقي للابن الذي رُبي بحق.
لم يتردد حازم لحظة واحدة. أخذ زمام المبادرة، أدار كل المعاملات الطبية والأوراق الرسمية، وقف على رأس العمليات بالساعات، وكان يتنقل بين الشغل والمستشفى والبيت ليدبر كل شيء، ويهدئ من روع أمه ويمسح دموعها. لم ينم لثلاثة أيام متواصلة، كان يقف كالجبل الشامخ أمام الأطباء والأقارب، يتحدث بنضج وحكمة أذهلت الجميع، ويسهر على راحة طارق في غرفته بعد الخروج من العناية المركزة.
عندما أفاق الأستاذ طارق ونظر إلى حازم الواقف بجوار رأسه يمسك بيده ويطمئنه، ابتسم بنفاذ صبر وقال بنبرة خافتة:
* أنا مكنتش خايف على نفسك ولا على أمك وأنت موجود يا حازم.. أنت بجد ابن أصول وراجل يسد عين الشمس.
رد حازم وهو يبتسم بوقار ويعدل له الغطاء:
* أنت جوز أمي وسندها يا أستاذ طارق، وواجب عليا أحميك وأقف جنبك زي ما صنتها وحفظت كرامتها. البيت اللي فيه راجل، ما يقعش فيه حد وهو حي.
مرت الأزمة بسلام، وعاد الجميع إلى القواعد سالمين.
وزادت هذه المحنة من متانة الرابطة بين الثلاثة، وأصبح حازم ليس مجرد ابن، بل العمود الفقري لهذه العائلة الصغيرة.
ومرت الأشهر متسارعة حتى أعلنت نتائج الثانوية العامة. حصل حازم على مجموع مرتفع يؤهله لدخول كلية التجارة وإدارة الأعمال التي طالما حلم بها ليتعلم كيف يدير المشاريع والمالية بأسس علمية.
في يوم التخرج والدخول للجامعة، أقامت العائلة حفل نجاح بسيطاً في صالة البيت ذاتها.. الصالة التي شهدت قبل سنوات ثورة الغضب، والدموع، والدرس القاسي، ثم النضج والمحبة.
جلست الأم وسط زوجها وابنها، وتأملت حازم وهو يرتدي قميصه الأبيض الأنيق، يتحدث بثقة ويضحك بصفاء.
رفعت كأس العصير لتأنيه، وقالت وصوتها يحبس دموع الفخر والاعتزاز:
* من سبع سنين، لما أبوه اتوفى، كنت فاكرة إني بقفل على نفسي الباب عشان أحميه.. لكن النهاردة عرفت إن ربنا كان بيبني بيا وبيه راجل بجد. حازم مش بس ابني.. حازم هو أعظم إنجاز عملته في حياتي، والدرس اللي اتعلمناه سوا هو اللي نَوّر لنا طريقنا.
اقترب حازم منها، قبّل يدها ورأسها أمام الجميع، ثم قال:
* وأنتِ يا أمي أعظم ست في الدنيا.. علمتيني إن الرجولة مش صوت عالٍ ولا سيطرة، الرجولة مسؤولية وحساب وتضحية وحفظ للجميل.





