رجعت من سفرة حكايات زيزى

جبينها علامة زرقاء واضحة.
بصيت لنور وقلت بصوت منخفض
نور إيه اللي حصل؟
نور أول ما سمعت صوتي، رفعت عينيها عليّا.
ولثواني، حسيت إنها مش مصدقة إني قدامها.
وبعدين قالت بصوت مكسور
أحمد إنت رجعت؟
قبل ما أقدر أتحرك ناحيتها، دخلت أمي المطبخ وهي بتتكلم بعصبية
إيه يا بنتي؟ لسه مخلصتيش؟ الضيوف مستنيين!
وفجأة شافتني.
سكتت.
الابتسامة اختفت من وشها.
وقالت
أحمد؟!
بصيت لها، وبعدين بصيت لملك.
أيوه أحمد.
ملك أول ما شافتني، نزلت من على الكرسي وجريت عليّا.
وقالت
بابا أنا تعبت.
الكلمة دي كانت كفاية تخلي الدم يغلي في عروقي.
وسألتها
مين خلاكي تغسلي المواعين يا ملك؟
بصت ناحية جدتها.
وبعدين نزلت عينيها في الأرض.
وقالت
ماما قالتلي أساعد بس بس تيتة قالت لو وقفت مش هناكل.
رفعت عيني لنور.
نور كانت بتعيط من غير صوت.
أمي أسرعت وقالت
متفهمش غلط يا أحمد! البنت لازم تتعلم الأدب والمسؤولية.
صرخت
أدب؟! عندها خمس سنين!
البيت كله سكت.
حتى الضحك اللي كان مالي السفرة اختفى.
خرجت واحدة من الضيوف من المطبخ وهي مرتبكة، وبعدها رجعت بسرعة للسفرة.
لكن أنا ما كنتش مهتم بحد.
بصيت لإيد نور.
وإيدك حصل فيها إيه؟
نور هزت راسها.
وقعت وأنا بحاول أخلص الأكل.
أمي قاطعتها فورًا
وهي أصلًا مهملة، وبتحب تعمل نفسها ضحية!
لأول مرة، حسيت إن في حاجة مش راكبة.
لأن نور عمرها ما كانت بالشكل ده.
اقتربت منها، وقلت
نور بصيلي.
بصتلي.
مين عمل في إيدك كده؟
سكتت.
أمي قالت بسرعة
محدش عمل حاجة! قلتلك وقعت!
لكن نور فجأة بدأت تبكي.
وبصوت بالكاد سمعته قالت
مش هنا أحمد.
اتجمدت.
يعني إيه مش هنا؟
نور بصت ناحية باب المطبخ، وبعدين ناحية أمي.
وقالت
لو قلتلك هنا ملك هتدفع التمن.
أمي صرخت
نور!
ملك دفنت وشها في صدري.
وقتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من شوية مواعين وضيوف.
حطيت ملك على الأرض، وقربت من نور وقلت
خدي بنتنا واطلعي فوق.
أمي وقفت قدامي
محدش هيطلع من هنا!
بصيت لها بهدوء مخيف
أنا مش بطلب إذن.
لكن قبل ما نور تتحرك، ملك شدت إيدي.
بابا
بصيت لها.
قالت بصوت واطي
أنا عارفة ليه ماما بتخاف من تيتة.
قلبي دق بسرعة.
نزلت لمستواها.
ليه يا ملك؟
ملك بصت حوالين نفسها، وكأنها خايفة حد يسمعها.
وبعدين قربت من ودني وهمست
عشان شفتها بتحط حاجة في درج مكتبك وبعدها قالت لماما لو أحمد عرف، هتخسروا البيت كله.
اتسمرت مكاني.
مكتبِي؟
الدرج المقفول اللي أنا وحدي كنت بستخدمه؟
بصيت لأمي.
لأول مرة، ملامحها اتغيرت تمامًا.
وساعتها عرفت إن رجوعي بدري مش كان مجرد صدفة
أنا رجعت في اللحظة الوحيدة اللي كان لازم أرجع فيها.
لكن اللي كان موجود في درج مكتبي
كان أخطر بكتير من اللي تخيلته طلعت السلم بسرعة، ونور ماسكة إيد ملك ورايا.
لكن قبل ما أوصل لمكتبِي، سمعت صوت أمي من تحت
أحمد! استنى!
ما وقفتش.
دخلت المكتب وقفلت الباب ورايا.
الدرج اللي قالت عليه ملك كان في المكتب، في الناحية اليمين، وكنت دايمًا بقفله بمفتاح صغير معلق في سلسلة مفاتيحي.
طلعت المفتاح من جيبي.
لكن الغريب
إن المفتاح كان موجود، والدرج كان مقفول فعلًا.
بصيت لنور.
إنتِ متأكدة إن ملك شافت أمي بتحط حاجة هنا؟
نور هزت راسها.
ملك مش بتكدب يا أحمد.
فتحت الدرج.
في البداية، ما شفتش حاجة غريبة.
ملفات شغلي.
عقود.
إيصالات.
وبعدين لقيت ظرف بني صغير، مش بتاعي.
فتحته.
أول ورقة كانت صورة لعقد ملكية البيت.
قلبي وقف.
البيت كان باسمي فعلًا
لكن تحت اسمي كان فيه بند مكتوب بخط قانوني
يحق للطرف الثاني الانتفاع الكامل بالعقار في حال توقيع المالك على الإقرار المرفق.
قلبت الورقة.
كان فيه توقيع.
توقيعي.
بس أنا عمري ما وقعت على الورقة دي.
بصيت لنور.
أنا مضيت على ده إمتى؟
نور قربت مني.
إنت ما مضيتش.
سألتها
إزاي متأكدة؟
قالت
عشان أنا شفت الورقة دي قبل كده.
اتصدمت.
شوفتيها فين؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
عند والدتك.
في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف.
أمي كانت واقفة.
وشها ما بقاش فيه أي أثر للارتباك.
قالت ببرود
كان لازم تسيب الدرج ده مقفول.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ بتجهزي لإيه؟
أمي ما ردتش.
لكن عينيها راحت لنور.
وبعدين لملك.
وقالت
أنا عملت كل ده عشان أحمي ابني.
ضحكت بسخرية.
تحميني من مين؟
ردت
من مراتك.
نور شهقت.
وأنا حسيت إن في حاجة أكبر مستخبية.
أمي كملت
إنت فاكر إن نور بريئة؟
بصيت لنور.
نور ما دافعتش عن نفسها.
بس قالت
أحمد اسمعني للآخر قبل ما تحكم.
أمي قاطعتها
قوليله الحقيقة يا نور.
نور بصت للأرض.
ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
وبعدين قالت
الحقيقة إن أنا كنت عارفة إن أمك بتراقبني من شهور
سكتت لحظة.
وكنت عارفة كمان إنها بتفتش حاجاتك.
قربت منها.
وإنتِ مخبية عليّا؟
هزت راسها وهي بتعيط.
كنت خايفة عليك وعلى ملك.
وفجأة ملك قالت من ورايا
بابا في حاجة تانية.
بصيت لها.
إيه؟
مدت إيدها الصغيرة في جيب فستانها، وطلعت ورقة مطوية.
وقالت
دي تيتة وقعت منها وأنا كنت بلم المواعين.
أخدت الورقة.
فتحتها.
وقريت أول سطر
إقرار تنازل نهائي عن ملكية العقار
لكن تحت الكلام كان فيه اسم شخص تاني.
اسم ما كانش له أي علاقة بأمي.
ولا بنور.
ولا بيا.
اسم خلاني أبص لأمي وأقول
مين الشخص ده؟
أمي ما ردتش.
وساعتها رن جرس البيت.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
أمي بصت ناحية الباب، ووشها اتغير تمامًا.
وقالت بصوت منخفض
وصل.
قلت
مين؟
لكنها ما جاوبتش.
وبعد ثواني، سمعت صوت راجل من تحت بيقول
سعاد افتحي. أنا جاي آخد الورق اللي اتفقنا عليه.
بصيت لأمي.
ثم لنور.
ثم للورقة اللي في إيدي.
وفهمت إن الشخص اللي تحت
كان هو مفتاح كل الأسرار نزلت السلم وأنا ماسك الورقة في إيدي.
أمي كانت ماشية ورايا بسرعة، وصوتها لأول مرة كان فيه ارتباك واضح
أحمد، اسمعني قبل ما تفتح الباب.
وقفت عند آخر درجة.
لأ. دلوقتي أنا اللي هسمع بس مش منك.
فتحت الباب.
كان واقف قدامي راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وفي إيده حقيبة جلد صغيرة.
أول ما شافني، اتغير لون وشه.
قال
حضرتك أحمد؟
قلت
أيوه.
بص لأمي.
سعاد إنتِ قولتيلي إن أحمد مش موجود.
ردت بسرعة
هو رجع فجأة.
بصيت للرجل.
وإنت مين؟
مد إيده ببطاقة.
المستشار فؤاد. محامي.
بصيت للبطاقة، وبعدها للورقة اللي في إيدي.
محامي مين؟
سكت.
أمي قالت
محامي العيلة.
ضحكت بسخرية.
عيلتنا مفيهاش محامي.
فؤاد بص للأرض.
وبعدين قال
أنا كنت مكلف بإتمام إجراءات نقل ملكية العقار.
الجملة وقعت عليا كأن حد ضربني.
نقل ملكية إيه؟
أمي دخلت بينا بسرعة
أحمد، الموضوع مش زي ما أنت فاهم.
رفعت الورقة.
يبقى فهمني.
فؤاد مد إيده.
ممكن أشوف المستند؟
ما اديتهوش.
قلت
المستند ده كان في مكتبي.
بص لأمي.
وهي اللي حطته هناك؟
فؤاد سكت.
الصمت كان إجابة كفاية.
رجعت خطوة.
أمي كانت بتحاول تنقل بيتي من غير علمي؟
أمي صرخت
أنا كنت بحمي مستقبلك!
رديت
من مين؟!
قالت
من نور!
نور كانت واقفة فوق السلم، وملك ماسكة إيدها.
نزلت نور خطوة وقالت
قوليله كل حاجة يا سعاد.
أمي بصتلها بنظرة مليانة غضب.
إنتِ آخر واحدة تتكلمي.
قلت
لا. نور هتتكلم.
بصيت لها.
قوليلي إيه اللي حصل؟
نور أخدت نفس طويل.
من حوالي ست شهور، أمك بدأت تطلب مني أوقع على أوراق تخص البيت.
قلت
ليه؟
قالتلي إنها إجراءات عادية عشان تضمن إن البيت يفضل في العيلة.
وإنتِ رفضتي؟
هزت راسها.
كل مرة.
أمي قاطعتها
لأنها كانت عايزة تبيع البيت!
اتصدمت.
نور كانت عايزة تبيع بيتنا؟
نور رفعت عينيها وقالت
لا.
ثم بصت لأمي.
هي اللي كانت عايزة تبيعه.
ساد صمت ثقيل.
المحامي فؤاد بدأ يتحرك ناحية الباب.
ناديت عليه
استنى.
وقف.
قلت
إنت كنت هتنفذ الصفقة دي النهارده؟
قال
كان المفروض أستلم آخر توقيع.
بصيت لأمي.
توقيع مين؟
المحامي سكت.
فقلت
لو مش هتقول، أنا هعرف بنفسي.
وفجأة ملك نزلت السلم وهي ماسكة لعبة صغيرة.
قالت
بابا
نزلت لمستواها.
نعم يا حبيبتي؟
قالت
أنا سمعت تيتة بتقول إن الراجل ده مش صاحب البيت الحقيقي.
رفعت عيني ناحية فؤاد.
هو تجمد.
وأمي صرخت
ملك! اسكتي!
لكن ملك كملت
وقالتله إن بابا لو عرف إن البيت مش بتاعه هيزعل جدًا.
وقتها حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
بصيت للمحامي.
يعني إيه البيت مش بتاعي؟
فؤاد ما ردش.
قلت له
بص في عيني وقولي الحقيقة.
رفع عيني أخيرًا وقال
لأن البيت اتسجل باسمك من سنين، لكن مصدر الملكية فيه مشكلة قانونية قديمة.
سألت
إيه المشكلة؟
فؤاد فتح حقيبته.
طلع ملف سميك.
وحطه قدامي.
المشكلة إن الشخص اللي كان المفروض يرث العقار قبل والدتك ما ماتش.
اتجمدت.
يعني إيه؟
فؤاد قال
يعني فيه شخص حي عنده حق قانوني في البيت.
أمي بدأت تبكي.
نور قربت مني.
أما أنا
فما قدرتش أبعد عيني عن الملف.
لأن أول صفحة كانت فيها صورة قديمة.
وتحتها اسم شخص أعرفه جيدًا
شخص كنت أعتقد إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
رفعت رأسي ببطء.
أمي
لكنها ما ردتش.
لأن جرس البيت رن مرة تانية.
وفؤاد قال
للأسف مش هو اللي جاي.
ثم سمعنا صوت رجل من الخارج
أحمد الشناوي افتح الباب. لازم نتكلم قبل ما أضطر أتكلم قدام الشرطة.
وفي اللحظة دي
فهمت إن اللي حصل في المطبخ، والمواعين، والورق الموجود في مكتبي
كان مجرد أول طبقة من السر فتحت الباب وأنا واقف قدام ملك ونور.
كان واقف راجل في الأربعينات، ومعاه ملف أسود.
أول ما شاف أمي، قال
واضح إنك ما قلتيش لابنك كل حاجة.
أمي وشها اصفر.
امشي يا سامح.
سامح ابتسم ابتسامة باردة.
بعد اللي حصل؟ مستحيل.
بصيت له.
إنت مين؟
قال
أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إن أمك كذبت عليك سنين.
أمي صرخت
كذاب!
سامح فتح الملف.
طلع منه صور ومستندات قديمة، وحطهم على الترابيزة.
دي أوراق ملكية البيت من عشرين سنة.
قلبت أول ورقة.
كان اسم والدي.
قلبت التانية.
اسم والدي برضه.
التالتة
كان فيها اسم شخص آخر.
رفعت عيني.
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *